الشيخ أحمد بن علي البوني
333
شمس المعارف الكبرى
الانخفاض الإبداع ، وإلى هذا العرش انتهاء مقاليد السماوات والأرض ، وحقيقة الطول والعرض وظهور البسط والقبض وغاية الرفع والخفض سلوكه معنوية وعروجه روحانية وشهوده فكرية ، وارتفاعه علويا وقبضه عرشيا ، لا يدركه ذو جسم ولا صاحب رسم ولا مرسوم بكتم حقيق سر الأعداد من غير تعداد . فهذه حقيقة هذا العرش ، وإليه انتهاء الروح الأمين ، وعنده وقفت حقيقة جبريل عليه السّلام وهو مبادئ الملأ الأعلى ، وفيه يسمع صرير الأقلام وهي تكتب ما لا يقبل التبديل ولا يتصور في صفحات التشكيل . فطوبى لمن فهم سر هذه الإشارات العرشية واللطيفة القدسية . والعرش الثالث عرش المجيد ، قال تعالى : ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ وهو انتهاء الرفعة بل تعزز الأرواح ؛ فأما العرش الأول فلا حجاب ولا ستر ، وبه أعز اللّه الأنبياء والأصفياء الأمثل فالأمثل ، وعنده وقفت حقيقة العقول في العالم العلوي مثوى الأرواح ، والعرش المجيد به ذهبت الأرواح ، وتاهت في هياكل أشباحها ، وتصرفت في مصنوعات أثرها وتشكلت في قوالب الأرواح بشهود اختلاف الصور في قوالب التركيب ، وإلى هذا العرش انتهاء عوالم الأرواح ، واستمداد فيض الأنوار في قوالب الحروف في مستدير البرازخ لظهور الختم على الدائرة بشهود الحسن ، وبروز الحكم وظهور العلم ، فهذه حقيقة الحجب ظاهرها ظاهر القدرة ، وباطنها باطن الأمر ، فمن وصل إلى الطرفين ، جمع بين الأمرين العلويين ، ومن لم يصل إلى حضرة بفك قيده عن الإطلاق ، وذهاب طلسم بشريته بنار الأشواق ، فهو من النقول في درك ، ومن الخذلان في وجود الشرك مخذول بعواصف الجمال في حضيض المعترك قال تعالى : وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ الآية ، فمن عرف بغيته لم يلبس رداء التلبيس ، ولم يمتزج بإبلاس إبليس وهذا بعد الغسل النقي ، والإمساك الخفي ليرم إياه حقا طرقا للترقية ، وكرسي الصورة البشرية مع الوقوف على قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ فنعوذ باللّه من الخذلان وقلب الأعيان . والعرش الرابع العرش الكريم ، وإليه انتهاء الأعداد ونسبة استرواح الأعمال في الحركة العظمى ، وهو سر التأييد لقبول مجاري التصريف ، وتعلم به حقيقة الحق التي بها قام كل شيء الذي هو في حق الأنبياء عصمة ، وفي حق الأولياء حفظ ، وفي حق التائبين رحمة ، وفي حق الجاحدين نقمة ، فمن علق في ميزان العرش ميزان عمله رجحت لطائف أنواره ومد بدقائق آثاره . واعلم أن المقابل للصور بمقابلة العرش ، وكل علوي عرش لكل سفلي ، فيظهر بالعلويات سر السفليات فسر العالمين ، فالعرش يتضمن تجلي بصيرته ، ولا يصير له دفتر تصور أعماله ولا صور ولا تجليات حتى يقطع نسبة الصور علويّها وسفليّها حالا وعلما وشهودا وورودا . والعرش الخامس عرش العظمة ، قال تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وهو شهود الأمر بحقائق نور الأبصار ، كما كانت قبل وجودها وبعدما استدارت في فلك حدودها ، فتشاهد الصنع العجيب ، وتدخل فيمن ناداهم الحق من مكان قريب وهو العرش العظيم ، وإليه انتهت الأعمال القلبية والسبحات الفكرية إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ بالأذكار وخفيّ الأنوار في الأسرار ، من غير